انا مثقف أكاديمي متخصص في علم السياسة واستطيع ان اعتبر نفسي ، وأؤمن أن للمثقف رسالة في المجتمع إذ لا يجوز أن يبقى المثقف في جزر معزولة أو برج عاجي بعيد أو غريب عن الواقع ومنسلخ عن هموم وطنه وقضايا شعبه وتطلعاته في الحرية والعيش الكريم والتنمية والتطوير. وبلغة أخرى أقول أن المثقف المنتمي يلعب دور بارز في قيادة حركة الإصلاح والتغيير بدون خوف أو تردد أو تزلف لأحد على حساب الحق والحقيقية وبالتالي فإنه يتجاوز قضاياه الخاصة أو علمه الأكاديمي إلى القضايا العامة.
وبناء على ذلك أجد أنه لزاما علي أن ادلوا بدلوي في موضوع سد الكرامة ولسان حالي يقول: خذ الحكمة لا يضرك من أي وعاء خرجت.
لقد تابعت عن كتب قضية سد الكرامة في وسائل الإعلام المختلفة في الأيام الماضية وقد تكونت لدي رؤية حول هذا المشروع اعرضها في هذه المقالة وأرجو أن يؤخذ طرحي في هذا المقام بنوايا حسنة وبعيداً عن الشخصنة فلا ثأر لي مع خصم أو عدو شخصي أحاول الإضرار به وإنما أقدم وجهة نظر سعيا وراء مقاصد نبيلة وقيم عليا أبرزها الاهتمام بالشأن العام والحرص على المال العام، وبالتالي فإنني سأتناول الموضوع برؤية منطلقة من التزامي بالدفاع عن الحق والانتماء لهذا الوطن الغالي والإخلاص لقيادته الفذة وهذه رؤية ترافقني في مختلف مراحل حياتي الفكرية والعملية
وتأسيساً على ما سبق، فإنني لا أتردد في إبداء رأيي القاطع والصريح إلى أن هناك تحالف بين قوى متنفذة ومصالح خاصة سيطرت بوحشية على مجريات الأحداث منذ اللحظة الأولى للتفكير في إنشاء السد مروراً بإنشائه وتعثره بعد مرور عشر سنوات على إقامة المشروع وحتى هذه اللحظة التي يروج فيها إلى إنشاء استثمارات سياحية في منطقة السد مثل مزارع للأسماك وملاعب غولف وأندية ليلية، ويبدو أن هذه القوى المتنفذة المرتبطة بشبكة من العلاقات الاجتماعية والمصالح الشخصية قد نجحت في الماضي في تحقيق أهدافها ومصالحها وتحقيق مكاسب مادية ضخمة بالرغم من الجهود والمحاولات التي بذلتها قلة للحيلولة دون ذلك، وأن هذه القوى ماضية في مشروعها بالترويج للسياحة في منطقة السد لتحقيق المزيد من المكاسب والإرباح. وهنا يقتضي القول أن التصدي لهذه المافيا المسلحة بالمال والنفوذ ليس بالأمر السهل، فالذين ينهبون الملايين من المال العام لا يضيرهم أن يخصصوا بضع الآلاف للدعاية والحماية والدفاع القانوني. وهنا تبرز الخطورة الشديدة الكامنة في عدم مشاركة الجميع الدولة وأجهزتها والمجتمع ومؤسساته وأفراده في نشر ثقافة المال العام والقاعدة الحقوقية. وأود في هذا المجال أن أؤكد على دور المثقفين وأجهزة الإعلام في تبصير الآخرين بحقيقة ما يجري وكشف المستور دون التشهير بأحد. وبلغة أخرى أقول أن دور مجلس النواب في الرقابة وديوان المحاسبة في التدقيق يلعبان دوراً في الشفافية والمساءلة ووفرة المعلومات إلا إنها تظل سيفا بلا نصل في المعركة ضد القوى المتنفذة إذا لم تأخذ طريقها إلى النشر وهنا تبرز أهمية الإعلام الحر في هذه المعركة، وعلى المثقفين أن يشاركوا بفعالية في الحوارات والمناقشات وبالتالي خلق رأي عام ضاغط يربك القوى المتنفذة ويعرقل مشاريعها. وبخلاف ذاك وإذا ساد منطق تكميم الأفواه وتضييق حرية التعبير إلى حد الاختناق، وبالتالي عزوف المثقفين عن المشاركة وتحمل المسؤولية فإن المجتمع سوف يدفع ثمن باهظ إذ نبطئ مسيرة التحول الديمقراطي والانفتاح السياسي، لا بل نعمل على إفساد التجربة الديمقراطية، والديمقراطية الفاسدة أشد خطراً من النظام الشمولي، فالأنظمة التسلطية أو الشمولية من السهولة تعبئة الرأي العام ضدها وكشف عدم شرعيتها، أما إفساد الديمقراطية فأن من شأنه زعزعة ثقة الناس بقيمها ومؤسساتها وأهميتها. وبكلمات أخرى أقول، ان الاهتمام بالمصالح الوطنية والحفاظ على المال العام مسؤولية متكاملة تقع على عاتق الجميع وليس فقط على أجهزة الدولة أو النخب المحلية المناضلة من اجل الإصلاح والديمقراطية، ولا سيما أن أعداء الإصلاح والذين يقاومون التغيير ولهم مصلحة في بقاء الأوضاع على ما هي عليه، مسلحون بالمال والنفوذ وأحيانا الإعلام وان عدم التصدي لهم يعني فشل بناء دولة القانون والمؤسسات وبناء كيان وطني هش خاضع لمآرب شخصية أو فئوية مدعومة بسلطات مستلبة أو قوى مغتصبة.
لا أريد أن استبق الأحداث وأقول أن هناك شبهة فساد في أنشاء سد الكرامة وأن عناصر هذه الشبهة تكاد تكون مكتملة، ذلك أن الكرة الآن في مرمى مجلس النواب، وهو الذي سيكون الفيصل في هذه المسألة، ونأمل أن يتمكن من كشف الحقيقة دون الحاجة إلى استدعاء خبير أجنبي لكشف التفاصيل، ولكني استطيع أن أقول إنه جرى استخدام السلطة الممنوحة لتحقيق أغراض ومنافع خاصة أو بلغة أخرى تحويل الشأن العام إلى شان خاص لتحقيق مصالح خاصة او ضيقة لمجموعة من الأفراد. أما الشواهد والأدلة على ذلك فهي كثيرة ومتعددة وتفتح المجال للكثير من التساؤلات لمعرفة حقيقة ما جرى.
وابدأ بما قدمه من أدلة وبراهين وشواهد سعادة الدكتور الياس سلامة خبير علوم المياه الجوفية وكيمائية المياه في الجامعة الأردنية والذي كان ولا يزال من اشد المعارضين لبناء السد وغيره من المشاريع أو السدود الذي ثبت عدم جدواها، ويحذر من الانجرار وراء مشروع الاستثمار السياحي في منطقة السد مستنداً في رأيه على ما لديه من حقائق علمية ومعلومات شخصية عن الشبكة التي تحاول تسويق مشروع السد، واترك للقارئ الكريم أن يستخدم عقله الراجح ورؤيته الثاقبة في معرفة الحقيقة وهذه دعوه صريحة للحوار والنقاش ونطرح فيها أسئلة بريئة تنتظر إجابات شافية.
الدكتور الياس سلامة عاصر قصة السد منذ البداية وحتى هذه اللحظة ويقول رأيه بصراحة ووضوح أن المشروع ولد ميتا، وان إكرام الميت دفنه، وكل المحاولات الجارية للتغطية على المشروع أو تسويقه منتجعاً سياحياً لن تجدي نفعاً والاعتراف بالخطأ فضيلة بحيث لا يتكرر الخطأ مره ثانية. وهنا أود العودة إلى بعض التفاصيل الدقيقة الخاصة بمشروع السد والتي نشرت في تحقيق صحفي أجرته صحيفة الرأي ونشر في العدد 13273 بتاريخ 3-2-2007 في ملحق خاص في الصفحة 3 حيث يقول:" بدأت دراسات سد الكرامة من قبل شركة بريطانية عام 1983 واستمرت ما يقارب عشر سنوات ثم قدمت تقريرها وحصلت على نسخة منه بصفتي رئيساً لمركز البحوث والدراسات المائية في الجامعة الأردنية في ذلك الوقت. وبعد دراسة التقرير تبين أنه يحوي الكثير من المغالطات العلمية تعزى إلى جهات أردنية أجرت التحاليل. وأن مركز البحوث في الجامعة الأردنية لديه تحاليل لمواقع مختلفة من الأردن ومن ضمنها موقع السد وتؤكد هذه التحاليل إلى أن موقع السد والذي يسمى " وادي الملاحة" نسبة الملوحة فيه مرتفعة وبالتالي فإن مياهه غير صالحة ولا جدوى من بناء سد في تلك المنطقة". وهنا فإن عدد من الأسئلة تثور في الذهن ولعل أبرزها:
1- من هي هذه الجهات الأردنية التي أجرت التحاليل وقدمت معلومات خاطئة، وما هي مصلحتها في تقديم معلومات خاطئة.
2- لماذا تم تكليف جهات أردنية أصلا بإجراء التحاليل طالما أن الشركة البريطانية مكلفة بإجراء الدراسة وتقديم تقرير شامل متكامل عن مشروع بهذا الحجم؟.
3- لماذا لم يتم الاستفادة من المعلومات المتوفرة في مركز البحوث في الجامعة الأردنية ولماذا لم يتم تكليفه كمؤسسة وطنية أردنية بإجراء هذه التحاليل لاسيما أنه يحتوي على نخبة من الخبراء الأردنيين الذي يشهد لهم بالكفاءة والنزاهة على رأسهم الأستاذ الدكتور الياس سلامة؟
4- ما هي قيمة أو جدى وجود المراكز والمؤسسات الوطنية الأردنية بدأ من المركز الوطني الأردني لحقوق الإنسان إلى مركز البحوث في الجامعة الأردنية طالما أن تقارير ودراسات وأبحاث وتوصيات هذه المراكز تبقى حبر على ورق ولا يأخذ بها صانع القرار في الأردن؟.
ويتابع الدكتور الياس سلامه حديثه قائلاً: " ادعت الشركة الدارّسة أنه فيما بعد، وعلى مراحل يمكن غسل السد علماً أن ذلك لم يكن وارد في الخطة في البداية، ثم التقى بوزير المياه والري آنذاك وشرح له


















