أول هذه الاسئلة يتعلق بذلك الاستسلام طويل المدى لقهر والحاح التعاطي (عشرون عاما متصلة وما زال) على الرغم من المشكلات ومضاعفاتها التي واجهت المريض طوال تلك الفترة من فقدان العمل والاضرار بالسمعة ومواجهات مع الشرطة والقانون أفضت الى قضية اتجار وتعاطي انتهت بعد استئناف الحكم الى علاج من التعاطي بمشتسفى الطب النفسي، واضطراب في علاقاته الاجتماعية عامة بالاضافة للخسائر المادية الفادحة ؟ وللاجابة على مثل هذا التساؤل ينبغي النظر بامعان في ملف شخصية المريض . ولا أقصد بالطبع مجرد التاريخ التطوري للتنشئة بمستوييه العضوي والارتقائي ، بل أيضا النظام التركيبي للشخصية ، والبحث في ذلك الخلل الذي حدث عنده التثبيت لانماط سلوكية بعينها عند مرحلة بعينها دون استطاعة متابعة الحركة التطورية لبقية مراحل الارتقاء الاخرى ،والاصل في التعاطي والاعتماد هو وجود خلل أو اضطراب في شخصية الفرد ، وهذا الاضطراب ينجم عنه زملة من الاعراض النفسية تحدث لدى الفرد حالة من عدم التوازن والاستقرار النفسي التي بمقتضاها ينشغل الفرد طوال الوقت بمحاولة استعادة ذلك التوازن والاستقرار النفسي المفتقد ، واذا اعتبرنا ان مادة التعاطي (بصرف النظر عن نوعها سواء كانت كحول ، مخدرات ، مؤثرات عقلية أو مواد طيارة مثل الباتيكس) هي ذلك العلاج السحري التي وجد فيه المريض ضالته في تحقيق توازنه واستقراره النفسي فلما نتعجب من اندماج المريض في هذه المادة أو تلك لدرجة ادمانها ؟.
والحق ان المسألة لا تأخذ هذا الشكل المبسط في الواقع العملي بل تتلون وفقا لمعطيات الشخصية ومقتضيات الموقف سوا كان اجتماعيا أو شخصي ،والغلاف الاجتماعي المحيط بالشخص ، ولنأخذ على سبيل المثال مريضنا الحالي ، شاب يتميز بشخصية انطوائية ، يستمرئ الوحدة والاحتفاظ بعدد قليل من اللعلاقات ،يبدو معظم الوقت كأنه هادئ الطبع ومستقر انفعاليا ، محققا أعلى قدر من التوازن النفسي ، هذا يبدو على السطح ، وهو ما ادركته زوجته وأفراد الاسرة المقربين ، لكن الفحص الاكلينيكي الاعمق للشخصية عن طريق استخدام المقاييس النفسية الملائمة والملاحظات الاكلينيكية ، ومسار المريض اثناء جلسات العلاج النفسي الجمعي والفردي ،كل ذلك كشف بوضوح عن مستويات مرتفعة من القلق الاجتماعي والتوتر يعايشهما المريض بالاضافة لما يمكن تسميته بحالة من الغضب المكظوم Unresolved Anger وهو عبارة عن حالة مزمنة من الغضب ليس من المستطاع تصريفها بشكل سوي اعتيادي، وتظهر على المريض في صورة علامات أو استجابات سلوكية تتميز بالتوتر الشديد وتهيج داخلي ينذر بانفجار في حال تعرضه لضغط عصبي نفسي تجاوز طاقه احتماله ، ومريضنا كي يتغلب على هذه الحالة من الاكتئاب المزمن ومايصاحبه من قلق وتوتر وغضب مكظوم يلجا لاستخدام حيل دفاعية وظيفتها احداث حد ادنى من التوازن والاستقرار النفسي والمحافظة على الذات من التناثر ( الانهيار فالمرض النفسي والمقصود هنا الفصام أو الاكتئاب الجسيم) وتتمثل هذه الحيل فيما اصطلح على تسميته في التحليل النفسي بحيلة تكوين رد الفعل Reaction Formationاي تكوين صورة عكسية للمشاعر الموجودة أصلا بهدف الحفاظ على كيان الشخصية من التناثر ، فالام التي تكره وليدها نجدها في الواقع تفرط في اظهار مشاعر الحب تجاهه بما يتضمن ذلك من سلوك المبالغة في حمايته ورعايته بحيث يبدو الامر للشخص دقيق الملاحظة ان ذلك غير ط
المزيد